بائعه اللحوح ... عائشة الحيمى



 
كان يا مكان ... كان هناك  فتاة اسمها سلمى , طالبة في الثانوية العامة , كانت مجتهدة  وتتفوق على كل من حولها من  الفتيات  .. ذات يوم  مرضت الأم وطلبت من ابنتها أن تذهب لببع "اللحوح" بدلا عنها , ولكن هذا قد يدفع بخروج  سلمى من المدرسة  التي  ترعرعت فيها وتفوقت  واكتسبت عدد كبير من الصداقات .
طلبت الفتاة من أمها أن تجعل أخاها  يذهب للسوق بدلا عنها لأنه مليء بالرجال ولا طاقة لها بهذا النوع من العمل ولكن الأخ رفض ذلك واضطرت سلمى للذهاب للعمل . لم تكن متعودة على هذا النوع من الاعمال  وعندما ذهبت لجلب "اللحوح "من المطبخ ... سقطت في الدرج ,غضبت الأم غضبا شديدا وحذرتها من تكرار الخطأ .
 وجاء اليوم الأول لها في السوق لبيع "اللحوح" بخطى متثاقلة ... وقلب كسير...  أخذت   تتدافع في زحمة السوق مع المتدافعين .. الزحام على أشدة وخصوصا في ظهيرة هذا اليوم الحار والمشمس  .
 حدثت ضجة وجلبة وصياح ..كان هناك  مجموعة من الشباب في عراك شديد مع بعضهم  البعض .. ومع  الصياح تدافع الزحام بعيدا عن  أرض العراك ... وحدثت الكارثة, أحدهم وفي أثناء عراكهم أوقع بضاعتها أرضا  ليدهس الزحام  اللحوح ويعيده عجينا كما كان  .بكت سلمى بكاء شديدا  ففي يوم واحد خسرت  بضاعتها مرتين .. أحدهما في البيت والاخرى هنا في ارض السوق و رجعت إلى البيت يتملكها خوف شديد.
 في اليوم الثالث خرجت ولكن بعد وعيد وتهديد وإنذار بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا رجعت البيت وحدث لها ما حدث في الأيام السابقة. هذه المرة كانت الأمور هادئة ,السماء صافية  والجو لطيف والناس يسيرون في السوق يبيعون ويشترون ،شعرت سلمى بالارتياح لعل هذا اليوم يعوضها خسارة الأيام السابقة ولكن حدث مالم تتوقعه , تجمعت الغيوم وغابت الشمس وراءها في استحياء وبدأ الرعد يدق طبول الخطر وهطل المطر بغزارة شديدة وفسد اللحوح المرتقب منه الخير والعطاء .توقف قلب سلمى عن النبض واسودت الدنيا في عينيها وفرت هاربة إلى المجهول وبضاعتها خلفها تنتظر صاحبته لتعود إليه لكنها غابت عن الأنظار وتوارت في الزحام .
كنات تفكر وهى تخطو نحو المجهول .. هل هناك وطن تستطيع فيه أن تتعلم وتكمل مشوارها وصولا الى حلمها بأن تكون معلمة  .. ألم تسمع في طابور صباح ما  أن  التعليم الزامى  لها حتى تنتهى من  الصفوف الاساسية .. لماذا تركوها  تخرج الى الشارع ... كانت تحس بالظلم الشديد ومع  كل خطوة نحو المجهول كانت تذرف دمعه هاربة .. لم تكن تدرى أين تذهب .. إلى أين ... بدأ الطريق أمامها موحشا .. مرعبا .. شعرت بغربة ثقيلة  تلفها ... وكالحلم .. تذكرت مدرستها ... صديقاتها ... لعبهن ... مرحهن ... هن الان في المدرسة ... لكنها هنا في المجهول  الذى يكبر كل يوم ويلفها .. شعرت بغصة ومرارة الظلم ... قسوته .. هل هناك من يستطيع  أن يرفع عنها  يد الظلم ويعيد لها طفولتها الأمنه.