أباء من ورق ... هبه عبد القوى






 كان يا ما كان ... فتى يعيش مع ابوية, الأب موظفا في إحدى الدوائر الحكومية والأم موظفة أيضا وفي نهاية الدوام يعودان إلى المنزل ويتناولان طعام الغداء و يلجأ الأب لقيلولته المعتادة في حين تبدأ الأم بتجهيز نفسها للخروج إلى منزل إحدى صديقاتها، ليستيقظ الأب بعد ذلك من قيلولته إلى مجالس الأصدقاء ليعودان في نهاية اليوم لينجز كل منهما أعماله لليوم التالي .
هكذا دارت عجلة حياتهما الرتيبة و المعتادة .. الأيام تجرى عليهما منذ زواجهما وارتزاقهما بهذا الطفل  والذى  كبر ونما  بعيدا عنهما وعن  حنانهما ورعايتهما  .
 كان الولد قد أصبح  في سن المراهقة و لا يجد فرصة للجلوس والتحدث مع والديه يستيقظ في الصباح كي يذهب إلى المدرسة بعد خروج والدية  فكان يجهز لنفسه ما أستطاع من الأكل ويذهب . ثم يعود بعد انتهاء المدرسة إلى البيت ويجد ورقة مكتوب عليها:
-         باقي في الثلاجة أرز من غداء البارحة سخنه وكله ..والدتك.
 كل يوم  كانت وجبة الارز موجودة وكل يوم كانت باردة  وكل يوم كانت  مشاعرة  الغاضبة والحاقدة تزداد  ورغما عن ذلك  كان يسخن وجبة غدائه يأكل ما تيسر له ثم ينام ....و يصل والداه من العمل وهو نائم يستيقظ وقد خرجا ويجد ورقة مكتوب فيها:
-         إعمل واجباتك المنزلية وحين تنتهي.. وضعت لك مصروفك تحت التلفاز ..والدك.
 كل يوم كانت تستمر الحكاية  .. وكل يوم كان يتكرر المشهد ... وكل يوم يمر يبدو تؤاما لما سبقه من ايام .
 يأخذ مصروفه ويخرج وحين يرجع يجد والديه منشغلين بعمليهما .. إلى أن جاء يوم شعر الولد بالملل من تصرفات والديه ،وبالذات عندما يشعر باهتمام أهالي أصحابه بهم حينما يكون معهم في  بيوتهم في زيارة ما وكان إباء أصدقائه  يقولون :
-          سلم على والديك
وهو يخفيها في نفسه ويقول:
-         سلم على الورق.
مر الزمن بالولد لم يحس في حياته بأي تغيير .. أو  أي شيء يشغل وقته .. كان يبحث عن نوادي  يدخل اليها لكى يمارس رياضة ولكنه لم يجد .. كان يبحث عن  مكتبات ولكنه لم يجد .. أقرب مكتبه الى منزله  كانت على بعد نصف ساعه بالسيارة  .. فمسكنه  في ضواحي العاصمة  ... في بعض الاحيان  كان  يتمدد على سقف منزله  يحاول أن يضيع وقته بعد النجوم و الغرق  في أحلام اليقظة :
-           هكذا تمر السنين  لا شيء يتغير .. ولا أحد يهتم بي  ... ولا أجد أين أذهب .. في وطن  لا يحتوى  شيء  يمكن  للإنسان أن  يمارسه .... كان حلمى أن أصبح رياضيا  .. لم أجد ملاعب  أستطيع من خلالها  أن  أمارس هوايتي ... كم كنت أحب  أن  أقراء  الكتب والمجلات  ولكنى هنا في نهاية العالم بعيدا عن الحضارة  ولا مجال  أو  فرصة  لان تكون لدى مكتبة قريبة منى ... ما الذى أفعله  وكيف يمكن  أن  أتطور في هذا الوطن !!
وانجر إلى جماعة من أصدقاء السوء أخذ من طباعهم الكثير حتى أنه ما عاد يهتم لتصرفات والديه ويأخذ الورق كالعادة ويضعها في سلة مخصصة لورق والديه في غرفته .وانجر إلى السرقة ....كانت روحه تصرخ مؤنبة له  ... لكن  نفسة كانت تشجعه ... عندما  ينام ليلا كان  يتحدث مع نفسة :
-         اليسوا هم من تركوني ... ها أنا في نهاية الامر .. أدمر روحي .. أدمر جسدي .. أدمر بيتي ... أدمر وطني ... كل شيء حبيب وغال... أدمره ... لست أنا ممن يفعل ذلك .. بل أبى و أمي .. إنهم ينتقمون من  كل شيء من خلالي .. كنت أرغب  بأن أكون شخصا .. متوافق مع  نفسة .. يحمى أسرته ... يبنى وطنة .. ولكن ؟!!!
وفي يوم  من الايام كشف أمره وتم إلقاء القبض عليه  هو وأصدقائه  كان في  مكتب التحقيق  عندما  سأله  ضابط التحقيق  :
-         أين والديك ؟
اخرج الولد ورقتان من جيبه كان قد أخذهما من المنزل وقال :
-         هذان والداي.......