الهــــــام الحدابى
كان
يا ما كان ، هناك مدينة جميلة وكبيرة، عُرفت هذه المدينة بجمال مبانيها، ورونق
شوارعها، وبهاء بساتينها، وعُرف الناس هناك بحبهم لارتداء أجمل الملابس وتناول
أفضل أنواع الطعام، وكان أطفالهم يحبون المرح كثيراً...
أطفال
يلعبون الغميضة....
وأخرون يلعبون نط الحبل.....
والبعض
الاخر يلهون بالحشائش والأحجار الصغيرة.
كانت تلك المدينة تضج بالحياة:
أصوات السيارات
وصخب الناس ..
وضحك
يملا أرجاء الشوارع ..... هكذا هي أجواء تلك المدينة الجميلة.
لكن خلف
هذه المدينة كان هناك حي صغير، يُدعى (الحي الرمادي)، أزقة هذا الحي ضيقة ،
ومنازله قديمة جداً...والجوع والخوف والصمت هو لغة هذا الحي فأطفاله لا يلعبون. ولا
يمرحون، يقبعون في منازلهم بملابسهم البالية، ونساؤهم لا تعرف البسمة الطريق الى شفاههن، أما رجالهم فلا يتحدثون إلا نادراً....
ذات
يوم خرج رجل وامرأته وطفلهما الصغير ليتمشوا في المدينة الجميلة، كان طفلهما
الصغير يلعب بكرته أمامهما، وينط هنا وهناك.. انشغلا الوالدان بحديثهما، وأثناء
ذلك تدحرجت كرة الصغير ودخلت إلى المنفذ الذي يؤدي إلى الحي الرمادي، بحث عن كرته
هنا وهناك..
-
أين
كرتي ؟..أين كرتي؟..
فجأة،
تراجع إلى الخلف عندما رأى أطفال في نفس سنه تقريباً لكن أشكالهم غريبة، لقد كانوا
يرتدون أسمالاً من الثياب ونظرات البؤس تملأ وجوهم الصغيرة، كانوا يمسكون بكرته
بشكل غريب ، ويتلمسون ألوانها الزاهية ..اقترب منهم الصغير وقال:
-
يمكننا
أن نلعب بها معاً..
تراجع
الأطفال إلى الخلف وهم خائفين، اقترب منهم الصغير مجدداً وقال مبتسماً:
-
يمكننا
أن نلعب بها معاً.
لكنهم واصلوا تراجعهم إلى الخلف، عند ذلك قال
لهم الصغير:
-
يمكنكم
أن تحتفظوا بها فأنا لدي واحدة أخرى في المنزل،
ثم
عاد الصغير أدراجه. و أثناء حديث الوالدين افتقدا طفلهما الصغير فبدآ بالبحث عنه:
-
محمود...محمود..
أين أنت يا محمود؟
بعد
قليل خرج الصغير من منفذ الحي الرمادي، صرخت الأم فزعة:
-
أين
كنت؟!
أشار الصغير إلى ذلك المنفذ، لتصرخ به الام مجدداً:
-
ولماذا
ذهبت إلى هناك؟
-
تدحرجت
كرتي إلى هناك فتبعتها..،
-
مرة
أخرى إذا تدحرجت كرتك إلى هناك دعها وعد..
-
لكن
من هؤلاء يا أمي؟
-
هؤلاء
أناس مجرمون وشريرون...حذاري أن تذهب هناك مرة أخرى،
أعاد
الصغير السؤال لوالده:
-
من
هؤلاء يا أبي؟
-
اسمع
كلام أمك يا بني فقط.
تمر
سنين عديدة، وفجأة تنتشر الجريمة في المدينة الجميلة، القتل، والسرقة وشتى أنواع
الجرائم، ويتعب رجال الشرطة في البحث عن المجرمين، وبعد بحث طويل يتضح أن الفاعلين
هم من سكان المدينة الرمادية. ويجتمع كبار المدينة الجريمة ليتناقشوا في هذه
المشكلة، قال القاضي:
-
أقترح
أن نأتي بصخرة كبيرة فنسد بها منفذهم فلا يأتوا إلينا أبدأ
وقال الطبيب:
-
أما
أنا فأقترح أن نحقنهم بحقن ملوثة فيموتوا ونتخلص منهم.
وقال
الضابط :
-
أما أنا فأقترح أن ندفنهم وهم أحياء.
وقال الحداد:
-
وأنا
أقترح أن نحرق منازلهم فيذهبوا بعيداً ولا يعودوا هنا أبداً،
بقي المعلم صامتاً فسأله القاضي:
-
وما
رأيك أنت أيها المعلم؟
قال
المعلم:
-
أما
أنا فأقترح أن نبني لهم مدرسة صغيرة تعلمهم لغة الألوان.
ضج المجلس بالضحك من هذا الإقتراح الساذج، وتفرق
الجميع دون أن يتوصلوا إلى حل، وتواصل انتشار الجريمة.
وبعد
أسابيع قرر المعلم أن يتوجه إلى الحي الرمادي ، أخذ حقيبة صغيرة ، وجمع أدواته
وبعض كتبه وملابسه ثم توجه إلى منفذ الحي الرمادي، وعندما وصل تذكر كرته التي
تدحرجت هنا قبل عشرين عاماً، ثم تأمل الملامح البائسة والمنازلة البالية وطلب منهم
منزلاً صغيراً ليبدأ عمله، قام المعلم بتعليم سكان ذلك الحي لغة الألوان .
علمهم
معنى زرقة السماء
وخضرة الأرض
وبياض الابتسامة
وأن الاوطان تبنى ...
بحوار
عقولها ... جميعا
وتكاتف
سواعدها .. جميعا
ونبههم إلا أن اللون
الأسود والرمادي ليسا اللونين الوحيدين في هذه الحياة، وبعد زمن خفت الجريمة في
المدينة الرمادية إلا أن تلاشت...وصار ذلك الحي الرمادي يُعرف (بحي الألوان)،
وصارت تلك المدينة الكبيرة تفخر بهذا الحي الجميل.