طير الملك



 يوسف شمســـــــان 

كان يا ما كان في سالف العصر والزمان مملكة قامت بين الجبال وكانت تختلف عن الممالك في ادارة حكمها كل الاختلاف. فالملك فيها لا يورث الحكم لابنه من بعده. فقد اتفق سكان هذه المملكة من غابر الازمان أن الملك هو من يقف على رأسه طير يسمى طير الملك. وطير الملك هذا لم يكن يظهر أو يتواجد دائما , ولكن حينما يظهر يعرف الناس أنه حان الوقت لاختيار ملك جديد حتى وان كان ملكهم مازال قادرا على الحكم. وكان جميع الملوك يحترمون هذه القاعدة ولا يخالفونها.
 وكان في هذه المملكة حطاب فقير يعمل هو وابنه في جمع الحطب من الغابة ويبيعونه للناس لتوفير لقمة عيشهم. وقد اشتهر هذا الحطاب بأن السرور لا يفارق وجهه وأنه يعيش حياة سعيدة رغم فقره وذلك انه كان قانعا بما رزقه الله ولم يكن للطمع أو الجشع الى قلبه من سبيل. ولأنه يأكل من عرق جبينه وكد يده, فلم يكن عليه دين لأحد. فكان دائم السعادة والسرور وهو ما كان يزعج جاره التاجر الجشع. والذي كان يحسده على سعادته وكان يتمنى أن يجد الفرصة التي يقلب سعادة هذه الاسرة الى أحزان. وكان هذا التاجر صديقا للوزير وكان دائما ما يوغر صدره على هذا الحطاب المسكين.
 وفي أحد الأيام وبينما كان الحطاب يعمل في الغابة إذا به يجد عشا فيه بيضة واحدة ذات الوان جميلة وأشكال رائعة. وكان كل من في المملكة يعرفون لمن هذه البيضة فهي لطير الملك. وهذا يعنى أن وقت اختيار ملك جديد قد اقترب. عاد الحطاب الى بيته واخبر زوجته بما رأى وأن عليه أن يخبر الوزير بذلك. فقالت له:
-         لماذا لا تخبر جارنا التاجر بما وجدت وهو سينقل الخبر الي الوزير فهو صديقه وستوفر على نفسك عناء الذهاب إلى القصر.
 استحسن الحطاب رأي زوجته وذهب الى جاره التاجر وأخبره بما وجده. ارتعب التاجر مما سمع وخاف على تجارته التي يديرها بدعم الوزير أن تنتهى اذا قام الملك الجديد بتعيين وزير جديد. ذهب التاجر ليخبر الوزير بما سمعه ويتباحث معه في كيفية تدبر هذا الامر والاستعداد له. طلب الوزير احضار الحطاب اليه ليتأكد بنفسه من الامر. تدخل التاجر الجشع عند الوزير وقال له لو طلبت من الحطاب احضار البيضة وأخفيناها سيكون لدينا متسع من الوقت لتدبر الامر. ولان طير الملك كان سيظهر لا محالة, كان عليهم أن يقوموا بتهيئة ملك جديد يعلمون انه سيرعى مصالحهم ولن يتغير موقع الوزير بوجوده. وقرر الوزير أن عليهم تجهيز ابن الملك ليكون الملك من بعد أبيه, وحتى تزيد حظوظه عليهم ان يقوموا بتزويجه من ابنه سلطان عظيم. وحتى يضيع خبر طير الملك كان عليهم ان يجدوا حيله للتخلص ولو مؤقتا من الحطاب. فأمر الوزير الحطاب ان يذهب لطلب يد ابنة سلطان الصين العظيم عروساً لملكهم الجديد وان يعود بها. كان الجميع يدرك ان من يذهب الى هناك لن يعود فلم يعد أحد من تلك الرحلة سابقا بسبب الصعاب والمخاطر التي تنتظره ....  ولكن ابن الحطاب تدخل للسفر بدل والده كونه مازال شابا وقادرا على اجتياز الصعاب والمخاطر. تفاجأ الوزير بما اقدم عليه هذا الشاب ولكنه لم يجد بدا من ذلك ولكنه ادعى ان الولد قد لا يعود ولذلك قرر ان يبقى الحطاب في سجن القصر حتى يعو ابنه من رحلته وهو ما يضمن عدم ذيوع سر طير الملك.كما وضع الوزير شرطا تعجيزياً آخر وهو أن يعود ابن الحطاب من رحلته قبل أن تنقضي فترة ستة اشهر من سفره.
 قبل الحطاب الشاب هذه الشروط ولكن خبرته البسيطة لم تكن لتساعده على التجهيز لمثل هذه الرحلة فلجأ إلى عجوز حكيمة ليأخذ نصيحتها في ما قد يحتاج إليه. فقالت  له العجوز الحكيمة:
-         عليك أن تأخذ أربعة جمال محملة بالحبوب وأربعة جمال محملة بالماء وأربعة جمال محمله بالهدايا ليزفها مهرا للعروس وأربعة جمال محمله بالغذاء والثياب وكل ما قد يحتاجه للحفاظ على نفسه أثناء الرحلة. توجه الحطاب الشاب الى الوزير وطلب منه توفير هذه الطلبات ليتمكن من القيام برحلته.
 أمر الوزير بتجهيز القافلة التي طلبها الحطاب الشاب بينما ذهب الشاب لتوديع والده ووعده بأنه سيعود وسيخرجه من سجنه. وفي صباح اليوم التالي سار الحطاب الشاب بقافلته نحو بلاد الصين وكان الناس في توديعه عند أبواب المدينة يدعون له بالتوفيق في رحلته. سارت القافلة لأيام قطعت فيها الجبال والأودية حتى وصل الى وادي يقال له وادي النمل. وحين دخل هذا الوادي تفاجأ من حشود النمل التي غطت الوادي بترابه وأحجاره وأشجاره بأعداد هائلة حيث ما التفت وجدها متحفزة للهجوم عليه. فبادرها بالتحية قائلا :
-         السلام عليكم يا معشر النمل فردت عليه جموع النمل لولا سلامك سبق كلامك لأكلنا لحمك وعظامك نحن في جوع وقحط لم نعرف الحبة منذ سنة فمن أنت أيها الشاب وماذا تريد؟
-         ما أنا إلا ابن حطاب فقير ذاهب لإحضار عروس السلطان لأحرر أبي من سجنه وإن معي من الحبوب الكثير فخذوا حمل تلك الجمال من الحبوب هديةً أقدمها لكم عن طيب خاطر.
 فرحت النمل واستبشرت بهذه الهدية الغالية وفي دقائق كانت قد نقلت كل الحبوب إلى أوكارها لتستفيد منها وبعدها اجتمعت وقالت أيها الشاب:
-         إن كرمك يحتم علينا ان نقدم لك هدية وهي هذه الحبة من الذرة فإذا احتجت لنا في يوم من الأيام فما عليك سوى أن تقوم بكسر هذه الحبة وستجدنا طوع أمرك.
أخذ الشاب تلك الحبة ووضعها في جيبه شاكرا لهم تلك الهدية ومضى في رحلته الطويلة وبعد ايام وصل إلى واد تملأه النسور والصقور. تحوم في سماه وتحط على أحجاره وأشجاره وتنضر إليه بعيون كلها رغبة في أكله فبادرها بالتحية قائلا:
-         السلام عليكم معشر النسور والصقور .
فردوا قائلين:
-         لولا سلامك سبق كلامك لأكلنا لحمك وعظامك نحن في جوع شديد لم نذق اللحم منذ سنة فمن أنت؟ وماذا تريد؟
 قال بن الحطاب :
-          أنا ابن حطاب فقير ذاهب لأحضر عروس السلطان كي أحرر أبي من السجن وإني أشفق عليكم فخذوا الأربعة جمال التي لا تحمل شيء هدية مني عن طيب خاطر.
فرحت النسور والصقور بهذه الهدية وانقضت على الجمال تنهش لحمها حتى شبع كل من في الواد ثم اجتمعت من جديد وقالت :
-         أيها الشاب مقابل جودك وكرمك سنمنحك هذه الريشة فإذا احتجت لنا في يوم من الايام فما عليك إلا أن تطلق هذه الريشة للريح وستجدنا تحت امرك وفي خدمتك.
أخذ الحطاب الشاب الريشة وشكرهم على هذه الهدية الثمينة ثم مضى في طريق رحلته من جديد وبعد أيام وصل إلى واد تسكنه الجن والعفاريت فاحتشدت لوصوله ورأته غنيمة لم تكن في الحسبان وبادرها بالتحية :
-          السلام عليكم معشر الجن والعفاريت ..
فقالوا له :
-         لولا سلامك سبق كلامك لأكلنا لحمك وعظامك نحن في عطش شديد لم نعرف الماء منذ سنة فمن أنت؟ وماذا تريد؟
 فأجابهم قائلا :
-         أنا ابن حطاب فقير ذاهب لأحضر عروس السلطان فيتحرر أبي من سجنه وإن معي لكم أربعة جمال محملة بالماء خذوها بما حملت هدية مني من طيب خاطر.
 فرحت الجن والعفاريت وانقضت على الهدية انقضاض الاسد على فريسته وبعد أن شبعت وارتوت قالت:
-          أيها الحطاب لابد لنا أن نرد لك معروفك في يوم من الايام فخذ هذه الشعرة هدية منا فإذا ما احتجت لنا فاحرقها وستجدنا عندك وطوع امرك.
 فأخذ الشاب تلك الشعرة ولفها حول إصبعه ومضى في طريق رحلته من جديد وبعد أيام لاحت له مدينه سلطان الصين العظيم فاستبشر وفرح بوصوله الى هذا المكان سالما وبعد ان وصل الى المدينة واستراح من عناء رحلته ذهب إلى قصر السلطان وأخبرهم إنه جاء رسول من سلطان مملكة طير الملك ليخطب ابنة سلطان الصين العظيم زوجة لملكهم الجديد وافق سلطان الصين على طلبه ولكن عليه أولا أن يجتاز الاختبار المعد لذلك فإذا نجح في اجتيازه فسوف يرسلونها معه وإذا فشل فسيكون عقابه الموت على طلبه. قال الحطاب الشاب:
-         أنا على أتم الاستعداد لهذا الاختبار طالما سأتمكن من تحرير أبي من سجنه فما هو هذا الامتحان؟
 فأمر سلطان الصين بأن يؤخذ إلى الاختبار الأول وهو مخزن كبير للحبوب فيه من كل أنواع الحبوب مخلوطة مع بعضها وعليه أن يقوم بفرز كل نوع من الانواع لوحده. وأعطوه مهلة لإنجاز ذلك في ثلاثة أيام. بدأ الحطاب الشاب في تنفيذ المهمة وعرف أنه من المستحيل إنجازها في شهور فخالجه اليأس واعتلته الهموم والأحزان. ثم فجأة تذكر الحبة التي أهدته إياها نمل الوادي فأخرجها من جيبه وقام بكسرها وانتظر قليلا فإذا بجموع النمل تزحف داخلة الى عنده ثم قالت :
-         مرحبا ايها الحطاب الكريم بماذا تأمرنا فنطيعك؟
أشار الى الحبوب وقال :
-         اريدكم ان تفرزوا كل نوع من الحبوب على حدةٍ!!!
 فانتشر النمل في طول وعرض المخزن وما هي إلا ساعات حتى صار المخزن مرتبا كل صنف من الأصناف في كومة مستقلةٍ، فشكرها الحطاب الشاب على هذا المعروف ومضت عائدة الى واديها. في الصباح لاحظ حراس المخزن أن الشاب قد أنهى مهمته الأولى بنجاح فأثار دهشتهم وانطلقوا لأخبار الملك بهذا الأمر. فطلب الملك إحضار الحطاب إليه وسأله كيف استطاع أن ينجز هذه المهمة بهذه السرعة فقال له كان الشرط أن أنجز المهمة وليس كيف سأنفذها وإني الآن مستعد لتنفيذ الاختبار الثاني فأمر السلطان ان يجهزوه للاختبار الثاني وكان لديهم نخلة عملاقه باسقة في عنان السماء وكان عليه أن يصعد إلى رأسها ومعه كأس مملوء بالزيت دون أن يسكب منه قطرةٍ ويعود محملا ببلح من ثمرها وقد وضعوا حول جذع النخلة قماش أبيض حتى يعرفوا إذا ما سقطت قطرة زيت فسيجدونها بقعة على ذاك القماش وسيعودون إليه في اليوم الثاني. ثم تركوه هناك بجانب النخلة حائرا كيف سينجز هذه المهمة. فكر الحطاب الشاب بالوسيلة التي تعينه على انجاز هذه المهمة ثم تذكر الريشة التي أعطتها له النسور والصقور فأخرجها ورماها للريح ولم يمر سوى وقت قصير حتى أقبلت إليه النسور والصقور ثم حيته وقالت:
-          أأمر فنطيع أيها الحطاب الكريم.
  فقال:
-         أريد ان اصعد إلى أعلى النخلة وأعود بثمرها!!!
 فحملته النسور إلى أعلى النخلة وهناك استطاع أن يرى جبال مملكته فهزه الشوق إلى والديه فبكى وسقطت منه دمعة تلألأت في ضوء الشمس وهي تهبط نحو الأرض فرآها الناس وصاحوا لقد فشل الحطاب وتلك قطره الزيت تهبط نحو الارض سنذهب لنرى ماذا سيصنع به. عندما وصل الناس كان الحطاب قد عاد إلى جانب جذع النخلة يحمل معه ثمرة من النخلة وكأس الزيت وتساءل الناس إن كان فعلا قد أخفق في هذه المهمة فقال لهم افحصوا القماش فإن كانت قطرة زيت فسوف تجدونها عالقة فيه وان كانت دمعه فقد جفت ولما تأكدوا أنها لم تكن قطرة زيت أبلغوا السلطان بنجاح الحطاب في تجاوز هذا الامتحان. فأمر بأن تجهز ابنته ليزفها الحطاب عروسة لملك بلاده لكن الحطاب حينما جلس يفكر في المدة التي قضاها في رحلته وجدها أربعة أشهر ولم يتبقَ من المهلة سوى شهرين ولن يتمكن من العودة في الوقت المناسب. فانتظر حتى ابتعد مع الأميرة عن مدينة سلطان الصين العظيم ثم فك الشعرة المربوطة حول إصبعه وأحرقها فأقبلت إليه الجن والعفاريت وقالت له:
-          بماذا تأمرنا ايها الحطاب الكريم ؟
فقال لهم:
-         أريدكم ان تحملوني مع قافلتي الى مشارف مملكة طير الملك!!!
 وفي طرفة عين كان الحطاب وقافلته على مشارف بلاده فاستراح هناك وفي الصباح دخل المدينة دخول المنتصر والناس يتجمعون من حوله فرحين بوصوله حتى وصل إلى قصر السلطان فاستقبله الوزير على مضض ولم يكن يرغب في عودته أصلاً وقام ورحب بالأميرة غاية الترحيب وأمر أن تنشر الزينات في كل البلاد احتفالا بوصولها. وفي هذا الوقت طلب الحطاب الشاب من الوزير أن يطلق سراح والده فهو قد أنجز ما عليه وعلى الوزير أن يفي بوعده. فأمر الوزير بإطلاق سراح الحطاب المسجون ثم أراد ان تتجهز الأميرة ليزفها إلى ابن السلطان لكنها رفضت وقالت أنها لن تكون عروساً إلا للملك. فاحتار الناس كيف يصنعون في هذا الأمر فهم يعتقدون أنها عروس ابن السلطان وهنا حظر الحطاب الفقير بصحبة ابنه وأخبرهم بان طير الملك قد ظهر في الغابة وأن عليهم إحضاره ليختاروا ملكاً جديداً يحكمهم. هلل الناس عند سماعهم بهذا الخبر السار وانطلقوا بحثاً عن طير الملك فاحضروه إلى المدينة,حيث اجتمع كل من فيها لحضور هذه المناسبة الهامة في حياتهم حسب ما تعودوا في طريقة اختيار حاكمهم الجديد. ثم حضر السلطان وأمر بإطلاق طير الملك الذى طار حتى إختفى في السماء وعاد مرفرفا بجناحيه وحطَّ على رأس الحطاب الشاب أمام ذهول الوزير وكل من حوله من أتباع. ولكن فرحة الناس وسرورهم بهذا الاختيار جعله يتوارى عن الأنظار خجلا منهم. ثم أقيمت الأفراح وزفت الأميرة الجديدة لابن الحطاب الذى صار ملكا جديدا لهذه المملكة السعيدة وعاش الجميع في سعادة وهناء.