أ. عبد الرزاق كمـــــــون
الذاكرة
حية وخصبة وموحية وهى معطاة كالأرض تراها
هامدة (فاذا أنزلنا عليها الماء إهتزت
وربت وأنبتت من كل زوج بهيج )
الذاكرة
مكنز المعارف والتجارب والخبرات يبدأ تراكمها
منذ التكوين وتنمو صعدا ثم تفنى
الاجساد ويبقى ما في الذاكرة
محمولا في أجساد حية فلا يفنى .
الذاكرة يحفظها الابداع وتحفظه .. من نقوش الكهوف الى معلقات الشعر الى أوابد العمران الى الكتب نبحر أو نغوص فنستخرج اللؤلؤ والمرجان .
إن
العمل ونتاجه يحفظان الذكر فيمنعان إنقطاعه
, وهو الذاكرة الولود تتناسل أفكارا
وسلوكا وفنا يسحر الالباب .
إننا
لا ننشئ من عدم .. نرى ونسمع
و نقراء ونخزن قصدنا أم لم نقصد وحين
يستبد بنا شيكان الابداع نأتيه متناصين
مع ما رأينا وسمعنا
وقرأنا وعشنا .
سألج
الحديث عن الذاكرة اليوم من باب الحكاية وهى ضرب من فنون القول
يتوارى حتى لا نراه فلولا ثم يكتسح
متوجا بالغار .
يقول
الناقد التونسي عبد العزيز بن عرفة
" يمكن تفسير العودة الى كتابة الخرافات على أنها عودة
الى إجلال مناخ
الانسجام أو مناخ الاحلام الذى
يخلو من القطيعة والتأزم والتتر
. فهذا العود على بدء يعنى أننا لن نستطيع أن نكبت
حنيننا إلى الماضي الذى ينزع إلى
إعادة ما كنا نتصور أننا صفينا الحساب معه بشكل نهائي "
وحين أسسنا
في أول تسعينات القرن الماضي معرض
صفاقس لكتاب الطفل كان همنا الرئيس
المساهمه في تنمية الميول القرائية لدى الاطفال
الذين هجروا القراءة
المتفاعلة النشطة , الى الفرجة
الوادعة المريحة , وكان أن
استنجدنا بالحكاية – وهى كتاب مسموع
- وفأجانا تفاعل الاطفال
فجعلنا للحكاية في المعرض
حضورا قارا , إنبريت يومها لتقديم أولى
الحكايات في معرض كتاب الاطفال ...
لم أتدرب
قاصدا , ولم أحترف , ولكن المنجدة الملهمة حضرت بقوة
إن في النصوص أو في طرائق الاداء . ورويت ورويت
حكايات من التراث القديم والجديد
للصغار والكبار وفى فضاءات أكبر وأبعد
حتى ذهبت الى تكوين حكائين شبان ., لم أبحث عن نظريات وإنما قدمت تجربتي
ومنابعها وقلت إنهلوا... وأنهلوا من ذاكرتكم . المهم أن يكونن الحب دليلا مرشدا
.. واستعيد اليوم حكايتي مع الحكاية .
قبل
الكتاب وقبل المدرسة كانت الحكاية
معلمتي . كانت لوالدي عمه عجوز
محنية الظهر الى الارض ولم تكن
في حاجه لأن ترفع راسها
لكى تراني كنت من ضأله حجمي
أرفع أنا رأسي اليها لتقبلني
وكانت زيارتها الينا حدثا لا يتكرر الا مرة في السنه
ترافقها دائما ابنتها
وحفيدتها أسيا .. صبية ساحرة
أكاد لا أذكر ملامح وجهها ولم أرها منذ عقود
ولا أعرف إن كانت بعد
على قيد الحياة ولكنها حية في ذاكرتي
وفى وجداني ولا تبرح ولا تغادر .
كنت
أنتظر قدوم المساء وأستعجل العشاء
لالتحق بها في غرفة النول , جدى نساج ,
وغرفة النول تتحول الى مضافة لعمتي
وابنتها وأسيا . ولا تقاليد عندنا
للسهر , فوسائل الاضاءة
بدائية حتى أن القمر يخسفها
ولو لم يكتمل , وأعمال البيت منهكة للأمهات
, والشغل الفلاحي في حقول
الاخرين وبيادرهم يهد الرجال
ولا يبقى لهم مزاجا للشهر أو
للحديث , والكل بعد العشاء
يأوى الى فراشة ولا يبقى غير
الاطفال في ( الحوش ) الواسع يشغلهم
لهوهم حتى الاعياء
إلا أنا التصق بأسيا وأكاد أقطع النفس كي لا تفوتني
فاصله من حكاياتها العجيبة والغريبة الطويلة
المتشعبة الاحداث المتعددة
الابطال .." وسبعه صبايا
في قصباية يطيح الليل وناكلهم . " وعلى ولد السلطان
" و " عزوزه الستوت
لا يرحمها نهار تموت " وهات
من تلك العقبات الكأداء التي تحول بين الحبيب ومحبوبته والتي تضطره
الى إرتياد بلاد الأغوال والأهوال والجن والعفاريت ليأتي
" بالتفاح اللي يفوح ويرد
الروح " ليشفى الاميرة ثم يتزوجها .
كانت أسيا
نهرا متدفقا من الحكايات وكنت نهما لا أشبع , ولا أحب أن تصل الحكايات الى خواتم
أبدا . وكنت مستعدا لمصارعه
الغيلان من أجل أن تبقى أسيا
لي تحكى وأسمع ولا يطلع النهار ,,
لم يكن لحكايات أسيا خواتم
حتى وهى تختمها بتلك العبارة
الشهيرة " وخرافتنا هابه هابة ..والعام الجاى تجينا صابه " تمتد الحكاية في وجداني أفقا بلا حدود
وأمشى خائفا أترقب
أن يطلع على الغول أو تخطفني " عزوزة
القايله " ولا بد من إبتكار
الحل لتجاوز المأزق الممكنة
فغول الواقع كغول الخرافة لا فرق ,
هزيمته ممكنه , وأنا البطل الخارق
أنتصر كي لا تنتهى الحكاية .. وهى لا تنتهى .
وكان
يوما فاصلا حين دعانا مدير المدرسة ليوزع علينا القصص - ذلك الاسم
الذى اطلقناه على كتب المطالعة
من خارج كتب المنهج – كنت في الصف الثالث الابتدائي , وقبل ذلك
لم ار غير كتاب القران في البيت
وأسمه " الختمة " أو "
الستين حزب " ثم الكتاب المدرسي المقرر.
تسلمت
قصتي الاولى من المدرسة وعنوانها "حبة
القمح " من إصدار دار المعارف المصرية , لا أذكر اليوم مضمون القصة ولكنى أتذكر فرحتي العارمة وتاريخية يومي
ذاك , حين إندفعت الى
مطالعتها تحت ظلال
أشجار الصفصاف الوارفة
تنتصب أمام مدرستنا وتتناوب
مع المدرسة على إيوائنا
في قيظ الصيف أو زمهرير الشتاء . البيت
بعيد عن المدرسة والدراسة
حصتان صباحية ومسائية ولا مجال للتردد على البيت في ما بين الحصتين .
التهمت
القصة التهاما وطفقت أبادل بها قصص زملائي حتى أتيت على
مطالعة كل القصص الموزعة
أنذاك في إستراحة ما بين الحصتين.
وتأسس حب
عجيب لم ينقطع بيني وبين الكتاب والمطالعة , ووجدت في القصص أبطالا
صغارا مثلى, أرانب وسناجيب , عصافير
في منتهى العقل والحكمة .
شغفني حب القصص
فأدمنت مطالعتها , ولكنى لم
أجدها خارج المدرسة , ولا بد من العودة اليها مستمعا حيث لا كتب .
عندما
غادرنا " الحوش " الكبير
الى بيت يخص عائلتنا الصغيرة , بقيت مشدودا
الى ذكرياتي في " الحوش "
القديم , وكانت طريقي من المدرسة الى بيتنا الجديد تطول
لأنى اعرج دائما على جدى , وبرنامج الزيارة يتكرر كل يوم دون إملال , جدتي لا تعرف
القراءة لكن " الختمة
" بأرباعها الأربعة
تتصدر الغرفة في الرف الخشبي المشغول بتخريم
ونقش في غاية الروعة وبجانب
المصباح الزجاجي الملون وهذه أخر
صيحة حينذاك في عالم الإنارة بعد قنديل الزيت و" الكربيله " مصباح الزجاج
يشتغل " بالقاز " وهو النفط ولذلك نسميه " قازة " وجدى
الذى لا يقراء فخور بأنى أقراء , وهو كل يوم
يطلب أن أتلو علية سورة
من القران ويحددها من بين
السور القصصية , فالقصة هي التي تعنية , يوسف وادريس
ومريم والكهف , وأشترط علية المقايضة
قصة بقصة .. أتلو السورة ثم أقبل
علية يروى لي من
قصص الانبياء في صياغه شعبية مليئة
بالتفاصيل الذى ينسج من الخيال واقعا متجسدا
تراه بأذنيك وتعيشه
بكيانك فيصبح يوسف عزيز مدينتنا صفاقس .. وشاطئها هو الذى شهد خروج يوسف من بطن الحوت , والنخلة السامقة في الجوار هي التي هزت
مريم بجذعها حين إنتبذتها
ممن أهلها مكانا قصيا .
وإذ
يتحدث جدى عن الانبياء , لا يشعرك
بأنه يتحدث عن المقدس , هو يتحدث عن أناس حضروا الى هذه الدنيا وغادروا
ولكن العبرة في كفاحكم البشرى الذى
تجده ممكنا حتى وهو خارق .. وغالبا ما تأتى الخوارق الى قصص جدى
عن الانبياء من الخرافات والحكايات
الشعبية فلا غضاضه عنده في إلتقاء نبي
وعفريت .. والعفريت ينبغي أن يكون جبارا من الجبابرة , وغلا
فلا معنى لانتصار النبي علية .
بيتنا
الجديد أقرب إلى مركز المدينة من بيت جدى
, ولكن المدينة التي
لا نعرفها تبدو بعيدة جدا ,
عيدية العيد زيارة المدينة والتجوال فيها
, وفى العيد تكون خالية وعديمة
الحركة إلا من الباعة المتجولين أو المنتصبين
عرضيا في مدخليها الشمالي والجنوبي , ورغم ذلك
كنا نجدها تضج بالحياة .
لم
تبهرني المدينة بسورها الشاهق
أو ابوابها الرحبة أو مبانيها المتلاصقة الممتدة
بلا أفق وكأنها لا تنتهى .
كانت
تشدني في ساحة " باب الجبلى
" حلقة " الفداوى " ..رجل
يمسك عصا طويله يقف بين لوحات فجة
الالوان يفرشها على أرضية الميدان
وحولة حشد من الناس , كبارا وصغارا
, أشق طريقي بينهم إلى الصف الاول .. أنشد إلى
" الفداوى " وهو يحكى عن
" سيدنا على وراس الغول " وعن
" الزازية المخبله في شعورها " وعن " بو زيد
الهلالي " في صولاته وجولاته ثم يشير غلى الصور حيث تتجسد الشخصيات , وتتدفق
الحكايات من قمة إلى
الروح بلا قسر أو فجاجة . باهرة تقطع الانفاس ولا يستعيد
الناس أنفاسهم المقطوعة إلا حين يتوقف
عن الحكي , ويخلع شاشيته طائفا بها
على الجميع فيتسابق كثيرون لألقاء
قطع النقد جزاء وفاقا على ما
أستمعوا به من ساحر الحكايات .
تلك
مصادري الاولى : أسيا والكتاب وجدى و" الفداوى " ثم أصبحت
الحكاية ضالتي حيث ما أجدها التقطها , وترسخ
حسن أعيد روايتها , وهى من أطباق
الضيافة التي كنت أقدمها
لتسلية زوارنا من مسنى العائلة : عمات وخالات
وأعمام وأخوال .
ثم
كان المرحوم عبد العزيز العروى في
الإذاعة وهو حكواتي مبدع , خالد
الذكر عند كل أهل تونس وكان حضوره يوميا عبر أسمارة
المكتنزة بالأمثال والحكم
الشعبية , وموعد حكاياته
الأسبوعي لا يخلفه الناس , فينبهرون
بطريقته في الحكي وتضمينه للأمثال
والاقوال في حكاياته وثراء قصصه بالحكم والعبر التي تنساب
الى الروح بلا قسر أو فجاجه .
عبد
العزيز العروى محطة التكوين لا أتجاوزها
, وأحيى روحة الحية في حكاياته
التي تتقمصه متوهجة بصوت ودفء حضوره
حتى وهى بين دفتي كتاب تخالها جامدة وهى تضج بالحركة .
هل
كانت تستحق حكايتي مع الحكاية
أن أحكيها لكم ؟ لكم تقدير ذلك
ولكنى سعدت إذ حكيت والسلام عليكم
.