هويتى








شائــــف الجــــــابرى 
 
كان  يا ما كان   شخص يسمى "يحي"  يتجهز للخروج للذهاب الى  قسم الشرطة في المدينة  ليستخرج له  بطاقة شخصية  ...  لم يكن لدية  شهادة الميلاد فقد ولدته والدته في البيت  وكتب يوم  مولده في  مصحف والده المزخرف  بحروف كوفية  قديمة .
 كان الموسم خاص بالانتخابات  ولكنه حتى لم يقطع له بطاقة شخصية  فلم يكن عمره في الانتخابات الماضية  يسمح له  بالانتخابات ولكنه الان في  عمر  يتيح له الحصول على بطاقة شخصية وبطاقة انتخابية  .
كان  الامر صعبا في ظل عدم وجود  شهادة الميلاد وخصوصا أنه لم يقراء في المدرسة  لأنه يسكن في ريف بعيد لكى يستطيع  المشاركة في الانتخابات بانتخاب من يريد الى  مجلس النواب  فقد كانت الانتخابات مخصصة لذلك هذا العام .
 الشيخ  الذى تم ترشيحه في الانتخابات السابقة لم يقدم لمجتمعه اية خدمه  .. دائما ما كان  يكسب الاصوات بقوته وسيطرته على القرية و ينسى بعد ذلك  كل من قدم له الاصوات .و الشيخ هذه الايام في القرية ويتواجد باستمرار  ويزور كل البيوت تقريبا  ليخرج الناس الى مراكز الانتخابات الموجود في  السوق  المركزي الخاص بالقبيلة.
 كانت القبيلة  تملك سوقا شعبيا  ينشط يوم واحد في الاسبوع  يجتمع فية كل  الاشخاص من القرية وممن القرى المتجاورة يتبادلون خلالها السلع و يشترون  بعض السلع التي تأتى من المدينه .. والمركز الانتخابي هناك   وكان من حظ  يحي  العاثر ان تكون زيارة  الشيخ له  هذا  الصباح وكان اول  ما تكلم  به الشيخ :
-         يحي   اين أنت .. واين البيت  ...  باقي اسبوع  على الانتخابات !! 
-         يا شيخ انا ذاهب  مع على   ابن شقيقتي  للمدرسة   وبعدين اروح القسم أخرج  لى بطاقة  !!!
-         ما تفعل بالبطاقة  .. روح المركز الانتخابي اليوم انت كبير في السن  وتقدر تخرج لك بطاقة انتخابية
-         لكن انا  محتاج لبطاقة شخصية   لكى أتزوج  !!!  الامين ما رضى  للزواج الا بالبطاقة .. والبطاقة الانتخابية ما تنفع في هذه  الحاجات .
-         مش مهم البطاقة انا ازوجك مثل ما زوجت ابوك بغير بطاقة .. المهم البطاقة الانتخابية وبعدين   تتزوج .
-         لا  المهم البطاقة الشخصية وبعدين   اروح  استخرج بطاقة انتخابية بالبطاقة الشخصية  .. ما اريد أتأخر علسان فحص الدم .
-         وأنت  فيك دم  ... انت الا فلاح ابن فلاح ...  قلت لك روح  أعمل بطاقة انتخابية 
كان يحي وما يزال  متحمسا  للحصول على بطاقته الانتخابية ولكن  تصرف الشيخ كان  مهينا   وكان  يحي يحب ان يمضى في الامر خطوة خطوة ... البطاقة الشخصية التي  هي اول  ما يمكن أن يحصل علية أي شخص في  الحياة  بعد البلوغ  وأيضا شهادة الميلاد .. كان حزينا انه لم يقطع شهادة ميلاد  .. كان يحس ان مواطنته ناقصة .. انه ليس كالبقية ...  ربما لان حظة النحس  جعله  يولد في ايام لم تكن فيها  زيارات الى القرية كما يحدث في الغالب  عند حملات التحصين او  التوزيع لشهادات الميلاد ضمن حملات  مخصصة لهذا الغرض  ... ومرت الايام والسنين ولم يستطع ان يدخل الى المدرسة  لهذا السبب بداية ولأسباب أخرى كان لتعوق   ذهابه الى المدرسة  بصفته الابن الوحيد على اربع بنات وكان من المهم أن يهتم بهن وبالأرض والمرعى .
 كان قد نسى أو تناسى ان له  مجموعه كبيرة من الاشياء التي فقدها على مر السنين  .. شهادة ميلاده ...دراسته ... بطاقته الشخصية الان .. بطاقته  الانتخابية التي قد لا يستخرجها  معاندة للشيخ .. كل شئ كان  يدفع  به الى ان يصبح مجرد شخص مجهول الهوية .. مجهول الجنسية .. مجهول الوطن ..... مجرد شخص  لا ذكر له .. لا رقم له ... لا هوية  له .
شقيقاته  الكبار تزوجن في وقت سابق وحان الوقت  للفرح به  كما  ساعد  في   زواجهن ..  كانت  شقيقته الكبيرة قد تزوجت في نفس القرية وها هو يأخذ طفلها الى  المدرسة  كل يوم في طريقة  الى الحقل او في طريق الى السوق  واليوم في طريفة ليكتسب  هوية ها هو يأخذ  بن شقيقته الذى حضي بشهادة ميلاد  ضمن زيارة  لمصلحة حكومية من العاصمة الى القرى البعيدة مخصصة لهذا الغرض فقد كان حظه اوفر .
أحس يحى ان  النقاش مع الشيخ الظالم  قد يأخذ  وقتا طويلا فأشار له بالموافقة و أمسك بيد بن شقيقته وذهب الى الطريق الترابي في طريقة الى المدرسة  الاساسية التي وفرتها الحكومة  في  احد القرى القريبة من الاسفلت  لطريق السفر ما بين  صنعاء وتعز .
-         ماذا كان يريد منك الشيخ يا خالي .
-          اقطع بطاقة انتخابية  .. الانتخابات بعد اسبوع واحد من الان
-         الشيخ الذى صورته ملتصقة بالجدران
-         نعم!!
-         والصور الثانية ؟!
-         للمنافس  .. بس الشيخ هو الذى  سيفوز مثل كل مرة  ... كل  انتخابات ينزل  للقرية و يخرج الناس من بيوتها لانتخابه ؟
-         وأنت...
-         لما اقطع بطاقة ؟
كانت المدرسة قد أصبحت قريبة  وترك يحي بن شقيقته وذهب  حتى وصل الى الاسفلت والى السوق التقليدي  الذى يخدم القرية منذ الاف السنين ما يزال على حاله فيما عدا مركز شرطة  على طرفة وفى  حدود السوق ينتصب مركز صحى  جديد تم بنائة  قبل  ست سنوات  فقط.
كان يعرف ما الذى يفعله  .. وكيف  ... ذهب الى المركز  استخلص فحص الدم الخاص به   ومن ثم الى  قسم الشرطة  الذى   ساعدة احد  افراد الشرطة في تعبئة بياناته  وفى نهاية اليوم أستطاع الحصول على  هويته .
ها قد أصبح  صاحب جنسية ... ها قد اعترفت  به  دولته وحكومته ..  الان فقط  يستطيع ان  يستخرج له ايضا بطاقة انتخابية .. كان شرها لمزيد من  الهوية التي تؤكد  جذوره  ... والتي تضمن له الاعتراف من كل شخص هنا او في المدينة او في  بلاد واق الواق   انا لي موطن .
كان من المهم أيضا أن لا يرجع بدون بطاقة انتخابية لان الشيخ  يمر عليهم في نهاية اليوم  ويتطلع على من بلغ السن القانونية وهل  أستخرج البطاقة ام لا  .. لم يكن يعرف ماذا يفعل .. ذهب الى المركز الانتخابة الذى كان مقرة ف احد البيوت المستأجر  لبشع الوقت من صاحبها لحين  مرور الانتخابات  وأستخرج ايضا بطاقة  انتخابية ... نعم لقد كان يوما حافلا .
منعا  للصياح وإزعاج الشيخ  اظهر له البطاقة في مقيل القات في نهاية اليوم لكنه لم  يكن  يرغب  بإختيار هذا الشيخ .. يبدو المرشح  الاخر مقبولا  .. لم يكن قد اصاب منه خيرا او شرا ولكن يبدو من منظرة من الصور انه يمكن  التعايش معه ... لم يكن يحي يعرف القراءة والكتابة  ولم يكن يستطيع  ان يقراء  البرنامج الانتخابي  لأى من المرشحين ولكنه في  المجمل قرر  قرارة النهائي والذى  سيقدمه  للناس جميعا في يوم الانتخابات .... يهز راسة علامة الموافقة  للشيخ ولكنه  في داخله  احب ان يمارس حقة  بحرية  .
في  الغرفة الفارغة في صندوق الانتخابات كان  الرمزين اضحين امامه وحتى ولو لم يستطع القراءة كان يمكنه وضع علامة الموافقة على أي من الشخصين ... هل سيختار  الشيخ الى تربى  وهو يسمع عنه في المقيل  وفى السمر  .. هل سيختار الشخص الجديد  الذى  يرتاح لطلته ولكنه لم يسمع عنه ... هل  سيحتفظ  بالقديم .. هل سيختار الجديد ... تردد كثيرا ولكنه في نهاية الامر خرج  من  الكابينة  وهو مبتسم وتبدو على  وجهه علامات الارتياح .