سالم والأسد




محمـــــــد الأبيض 

كان يا ما كان  في مدينة ما..  عبد اسمه سالم شاء سوء طالعه ان يشتريه رجل بالغ القسوة , فكان يجلده بالسوط لأتفه الاسباب , وكان يقيد يديه ورجليه بالحبال ويتركه عاريا في زمهرير البرد دون طعام او شراب , فإذا تأوه من شدة ما يعانيه من آلام وضع الرجل سيخا من حديد في النار حتى يحمر ثم يكوي به جسد سالم غير مكترث لصيحات المسكين او توسلاته واستعطافه. وتحمل سالم كثير من الالم وكان يفكر بالهرب ولكن اين يذهب وكان يعلم ان العبد الهارب اذا قبض عليه فانه يحكم عليه بالإعدام ولم يكن اعدام العبد الهارب بالسيف وإنما كان يحضرون العبد الى ساحة متسعة تحيط بها مقاعد مرتفعة تتسع لمئات من البشر , ثم يفتحون بابا جانبيا ليخرج منه اسد كنوا قد تركوه لأيام بدون طعام ,فما يكاد الاسد يرى العبد المسكين حتى يندفع نحوه ليفترسه والمشاهدون يستمتعون برؤية هذا المشهد اللاإنساني الرهيب.
كان سالم كلما فكر بالهرب تذكر ذلك المصير المفجع فيعدل عن فكرة الهرب. ولما اشتد به العذاب رأى ان الموت افضل الف مرة من تلك الحياة التي كان يحياها, ولذلك قرر الفرار من بيت سيده ونجح في ذلك .. وضل هائما على وجهه طوال الليل وشعر بالجوع والعطش . ووجد نفسه على مشارف غابه كثيفة كانت على مقربه من المدينة في ذلك الوقت . وسمع سالم عواء الذئاب الجائعة وزئير الاسود المفترسة , وقال سالم في نفسه :
-       خير لي الف مرة ان اعيش بضع ساعات حرا ثم اموت على ان اعيش عبدا لسنوات ألاقي العذاب والمذلة.
 واتجه في خطوات ثابتة نحو الغابة الموحشة , كان القمر في تلك الليلة بدرا ورأى سالم عن بعد بقعه صخريه تتخللها فتحات داكنة اللون فأسرع اليها وكان في ذلك المكان الصخري اكثر من كهف . ودخل سالم احد هذه الكهوف ,وأحس براحة عميقة فتنهد بارتياح وشعر بحاجته للنوم والراحة.
 وأخيرا استلقي سالم على الارض واغمض عينيه ولم تمض لحظات قليله حتى كان سالم قد استسلم لنوم عميق . واستيقظ سالم في فجر اليوم التالي علي صوت مزعج ورهيب اثار دهشته وخوفه وفتح عينيه وتلفت حوله وما كادت تستقران على فوهة الكهف حتى تجمد الدم في عروقه وسرت في جسده قشعريرة شديدة . لقد رأى بباب الكهف اسدا ضخما يرفع رأسه الكبير ويكشر عن انيابه ويطلق زئيره المخيف . ايقن سالم ان نهايته قد قربت وانه سيذوق الموت بعد لحظات معدودات لان الاسد سيفترسه بلا شك وبعد لحظات من الترقب والانتظار رأى سالم الاسد الضخم يدخل الى الكهف وهو مازال يطلق زئيره المخيف . ولكنه لاحظ ان الاسد يتقدم نحوه وهو يسير على مهل وقد رفع قدمه اليسرى عن الارض وأدرك ان تلك القدم تؤلم الاسد الما شديدا . واقترب الاسد منه ثم وقف امامه حتى احس بأنفاس الاسد الحارة وهي تلفح وجهه ومرت لحظات كان خلالها سالم يحملق بعينيه في وجه الاسد وكأنه يسأله لماذا لا تفترسنى ؟ وقدم الاسد رأسه من راس سالم وهو يرفع بقدمه اليسرى امام عيني سالم . ونظر الرجل الى مخالب تلك القدم في خوف شديد ورأى شوكة كبيرة غائرة بين اسفل احد هذه المخالب وبين اللحم . فأدرك انها تؤلم الاسد الما شديدا وأنها السبب فيما كان يطلقه من زئير . وأشفق سالم على الاسد اذ لا يشعر بالمعذبين إلا من ذاق الالم من قبل . وامسك سالم بطرف الشوكة ثم جذبها وأخرجها وأحس الاسد بالراحة وصار يجري في داخل الكهف في مرح وكأنه جرو صغير وكان كلما مر بالرجل احنى رأسه ليلعق بلسانه يديه او جبهته كأنه يشكره على الجميل الذى اسداه اليه . وذهب عن سالم الخوف شيئا فشيئا حتى تأكد من ان الاسد لا يريد به اى سوء . وأحب الاسد سالم حبا شديدا فكان يرقد الى جواره كما كان يحضر له لحوم بعض الغزلان التي يصطادها .ويرافقه اذا خرج من الكهف ليبحث عن الثمار او ليشرب الماء من جدول قريب , وأحس سالم لأول مره في حياته بمتعة الصداقة المخلصة وتمنى لو انه قضى بقية عمره مع ذلك الاسد الوفي الامين .
وفي احد الايام شعر سالم بوحشة غريبة حينما لبث ينتظر حضور الاسد ولم يحضر. ومرت ايام عديدة دون ان يحضر الاسد كعادته الى الكهف . ماذا حل به يا ترى ؟ اخذ سالم يسال نفسه هذا السؤال ويكرره في عقله . خرج سالم من الكهف ليبحث عن صديقه الحبيب في ارجاء الغابة وتصادف مرور بعض الجنود الذين لمحوه وعرفوا انه  عبد هارب , فطاردوه حتى  تمكنوا اخيرا من القاء القبض عليه وصدر عليه الحكم بالإعدام , ولما حان موعد تنفيذ الحكم احتشد الناس لمشاهدة ذلك العبد وهو يلاقي حتفه بعد ان يفترسه احد الاسود . ثم ادخلوا سالم الى الساحة وفتحوا بابا جانبيا ليخرج منه اسد يتضور جوعا وما كاد يرى سالم حتى قطع المسافة التي تفصلهما في وثبتين او ثلاث وثبات وهو يزار زئيرا مخيفا . توقع الحاضرين ان الاسد سوف يمزق الرجل ويلتهمه . ولكن الاسد ما كاد يصل الى سالم حتى سكت زئيره الرهيب ! ووضع رأسه عند قدميه وصار يلعقه . ثم رقد على جنبه بهدوء . وعرف سالم في الاسد صديقه الذى كان يؤنسه في الكهف والذي اختفي بعد ان نصب له الجنود شركا ليستخدموه فى افتراس العبيد الذين يحكم عليهم بالإعدام . ودهش الحاضرون دهشة بالغة وصاح اغلبهم :
-       يجب ان تمنح الحرية لهذا العبد .
 وتعالت الاصوات المؤيدة والمرددة يجب ان يعيش هذا الرجل حرا . وهكذا افرج عن سالم ولما اراد ان يغادر الساحة ابى الاسد ان يفارقه . وسار معه فى طرقات المدينة والناس يتعجبون منهما . وانهالت عليه الهبات المالية فاتخذ له مسكنا على مشارف الغابة وكان الاسد يرقد امام بيته كل ليلة كأنه يحرسه .
مرت الايام ومات العبد والاسد .. وتدحرجت السنوات بسرعه عاش فيها العبيد في شتى بلاد العالم  الظلم والهوان .. واختفى مع الايام ما يسمى بالعبيد والاماء وأصبح كل شخص في هذا العالم  حر ... يمارس جميع حقوقه بحرية .. ويشارك في كل مناحي الحياة بحرية أكبر .. ولا عزاء للأسود أو للمتفرجين .