طيبة ناشر
كان
جدي في ليالي الشتاء الباردة يدفئنا بحرارة حكاياته الجميلة , يعلمنا ,يؤدبنا ,
يغرس فينا قيم الأبطال العظام , يقول لنا :
-
لا تستضعفوا
الضعيف ولا تستكينوا لظالم .
وهذا
ديدنه في كل ليلة , وفي يوم من الأيام سمع صوت صراخ اخي وامي توبخه .
-
لماذا
توبخينني من أجل هذا الشخص ؟ أنه مجرد دوشان!!
-
ألم
يخلقنا الرحمن متساويين ..
فتدخل
جدي لأنه أراد أن يعلمه بطريقته. فقال له:
-
يا بني إن الله خلقنا سواسية مع اختلاف أشكالنا
وأرزاقنا ومكانتنا !!.
فسرعان
ما تجمعنا حوله وبدأ عينية تنظر الى
البعيد وكأنه بنظر في مرأة حكاياته وقال :
-
كان يا مـــا كان في قديم الزمان في الولائم
والأعراس أنه من كان نصيبه لوح كتف الذبيحة يحق له أن ينظر من خلاله ليرى أهله
وأصدقاءه ماذا هم فاعلون فاذا وصل عندهم يسألونه فاجأهم بمعرفته بما كانوا يفعلون . وذات يوم صادف حصول دوشان في أحد الولائم على لوح كتف الذبيحة . وفي غمرة فرحه بهذه الفرصة
التى لا تتوفر الى لكبار القوم أخذ ينظر من خلال
اللوح ماذا أهله فاعلون؟! فرى حركة على
الفراش بجوار زوجته فاغتاظ وذهب مهرولا
إلى البيت وبدون شعور أخذ جنبيته وطعن ذلك الشئ فإذا بزوجته
تنتفض وتقول :
-
ماذا
فعلت يا رجل :- هذا ماهر ولد الشيخ عامر
ففزع
الرجل من تسرعه، فماهر أبن الثمان سنوات اعتاد أن يأتي منذ صغره للمنزل ليستمع
للأغاني و الزوامل التي كان يتجمع حولها الاطفال وكثيرا ما كان يغفو وينام الى إن يأتي
والدة ويأخذه ... كانت تلك الزوامل تأخذه الى
عالم قديم .. قديم ... ملئ بالجمال .. و تاريخ الاجداد و هم يشيدون
مرتفعات الجبال يزرعون البن .. ذلك البن الذى كانت تجتمع حوله العائلات
وتشدو بالانغام .
انتشر
الخبر في القبيلة عن قتل ابن الشيخ عامر وإقرار القاتل بفعلته. فغضب رجال القبيلة لهذا الصنيع وأردوا الثأر
.
لم
تتوقف أم الطفل عن العويل والبكاء طوال الوقت مصرة على أن الثأر . وبعد شد وجذب
وأخذ ورد قرار الشيخ عامر أن ينفى القاتل من
القبيلة . الذى خرج منفيا . يتيه
في الارض حتى وصل قرية بعيده . فاستقر
فيها. وكان في كل ليلة يدعو الله .في شوق ولهفة لبلاده أن:
-
يا ألله يا رحمن ... يا مغيث أنزل عليهم المطر من
عندك وأغثهم يا ألله وأكرم الشيخ عامر فقد
أكرمني ولم يقتلني وأجره كما حافظ على حقوق الجار .
ومرت
السنين وأهل القبيلة لايزالون يريدون الثأر وأم ماهر لازالت تنتحب . فقرر الشيخ عامر ان
يذهب ليحصل على ثأره وعندما وصل الشيخ إليه وجده يردد ذلك الدعاء الذي يردده كل
ليله من أجل وطنه الذي اشتاق له كثيرا.
فاهتز
قلب الشيخ عامر للأمر وقال:
-
لن
يكون غريمى أكرم مني .
وعاد
أدراجه إلى مكان إقامته . أرسل أحد رجاله إلى القاتل يخبره بأن الشيخ قادم اليك وعندما
وصل الرسول خاف الدوشان وتجمعت الأفكار الكثيرة في رأسه لكنه كان سعيد انه سيموت
في موطنه. وفى الصباح الباكر وصل الشيخ
عامر اليه واحتضنه وطلب منه أن يعود إلى القبيلة مرفوع الرأس .