في
ذلك الوجه الرحب الذي ترتسم فيه حكايات الحزن والالم وتجتمع فيه أحداث قصتنا لليوم
, ذلك الوجه الذي امتلأ بالتجاعيد كأنه مدرجات زراعية من دون عشب ولا كلأ ,أرض
يابسة تنتظر هطول المطر رغم أن هذا الوجه صار فيه خطان أسودان من جريان الدموع كل
ليلة ترى تلك العينان اللتان اغرورقتا بالدموع طوال السنين جلست تلك الأم المسكينة
على زاوية الأريكة في الغرفة تستذكر ما مضى من عمرها تستذكر تلك الأيام التي قضتها
من شبابها الذي ضاع، وعمرها الذي أخذ من جسمها وصحتها وعافيتها.
لقد
تعبت ولم تنتظر الجزاء وعملت ولم تشتكِ التعب، حزنت وظلت تتنهد وكأنه بركان يتفجر
بداخل صدرها لا يشعر بحرقته إلا قلبها الضعيف الطيب ,صوتها أصبح واهنا من كثرة النحيب.
أخذت
تتجول في ذاكرتها المفعمة بالألم والأسى والحزن ،لكم كان الماضي حزيناً وتعيساً
وقاسياً، حيث أخذ من شبابها زهرته , تذكرت تلك الايام التي كانت تصحو في الصباح
الباكر على صوت مؤذن الفجر , حين كانت تخرج بعد صلاتها , تجمع حزم الجرجير, تسمع تغريد العصافير , ترى خيوط الشمس الذهبية
وكأنه إيذان لها للخروج الى السوق لتبيع تلك الحزم لتشتري قوتها وقوت ابناءها .
اخذت
تجول في رحلة العمر التي ارتسمت بقسوة على ملامحها, لم تكن تألو جهدا في تربية
أولادها التربية الصالحة الحسنة الكريمة , كانت قد تحملت المسؤولية مبكرا بعد وفاة
زوجها , لا تقرأ ولا تكتب لكن الشارع
علمها ان الحياة قاسية اليمة , لئيمة , لم
تعلم ان هذا التعب لن يكون له قيمه وسيكون عرضة للتبعثر في ادراج الرياح .
قطع
رحلتها في الماضي صوت قرع الباب الذي سبقه صوت ارجل تمشي على استحيا تقدم خطوة
وتأخر أخرى , طرق الباب فأذنت له بالدخول ليدخل ابنها الذي اصبح عاجزا عن الدفاع
عن امة من زوجته المتسلطة عليه , يتلعثم بالكلام , يتخبط, ليس مستقر التفكير ,
استجمع قواه وقال :
-
هيا يا امي البيت لن يتسع لك ولزوجتي
فلن تستطيع زوجتي العيش معك في نفس البيت وهي الان في بيت اهلها فسآخذك الى دار
المسنين الذي لا يبعد كثيرا.
قامت
من مكانها ودموع الاسى والحزن تملأ عينيها واتجهت نحو دولاب ملابسها تجمع من
اغراضها وتضعه في حقيبتها لكن عزمت ان تجمع جميع اغراضها فإنها تعلم انها لن تعود
اخذت حقيبتها بخطى حزينة ووجه حاولت ان ترسم تلك الابتسامة التي كانت ترسمها دائما
في وجهها لئلا يصاب اولادها بالحزن او الكدر وخرجا من البيت و كان الجو ماطرا غزير
المطر اصوات البرق تزمجر , الرياح تصرخ ,المطر يحط على وجنتيها الذابلتان ويمتزج
بدموعها.
وصلا
الى دار المسنين وعاد ذلك الابن الذي امتلاء بالخزي في ثنايا قلبه واتصف بالبهوت
في كلامه وتصرفاته المشينة وهو يسمع صوت الرعد الذي كرهه , والرياح التي تلفح وجهه
يمنةً ويسرةً , وصل الى بيته , تمدد على سريره, وحال بخاطره في حاله وحالة امة
وشعر ببعض الندم .
تذكر
أيام كان حضنها له وطنا ... ومن
خيراتها ألتذ بالحياة ومارس اللعب
تحت كنفها ... و تدفاء من برد
الليل تحت عباءتها .
وبينما
هو في غمرة تفكيره لمح شبح في البيت يتحرك هنا وهناك وبعد دقائق شعر بالدفء يملأه
داره , صوت الرعد لم يعد ذلك المزعج,
الريح لم يعد يلفح وجهه , شعر بالدف يدب في أوصاله فقام من مكانه يسأل من
هناك اجابه ذلك الصوت الندي المعتاد :
-
أمك يا بني تذكرت انك ستنسى شبابيك
غرفتك مفتوحة فخفت عليك برد الشتاء... والان سأعود من حيث أتيت....